عبدالرحمن عبدالله: “مكافحة الفساد، و التصالح مع الشفافيه”

315

 

نحو توسيع دائرة القرار الاقتصادي (4)

١.الجميع يتحدث عن ضرورة مكافحة الفساد؛ رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، البرلمان، وزارة الماليه، الأحزاب المشاركه في الحكومه، وقطعا احزاب المعارضه. كلهم يبكي فمن سرق الكتاب؟!!!

٢. لقد اصبح الفساد هو الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن الداخلي للدول، و اصبح الجميع ينادي بضرورة سن قوانين صارمة لمحاربة هذا المارد و التضييق عليه، ليس فقط في السودان، بل في كل دول المنطقه. رغم ان الكثير من الدراسات الصادره من المؤسسات الدوليه تشير الى تبؤ بلادنا مركزا متقدما في قائمة الدول ذات الانظمه الفاسده، الا انني على قناعه ان حجم الفساد في دول الجوار هو اكبر. ليس لأنهم أفسد منا، ولكن لاعتبار حجم اقتصادياتهم و فوائضهم النقديه. انظر مثلا الى مشروع المطار الدولي في احدى الدول العربيه، تمت ترسية العطاء الى احدى شركات المقاولات الامريكيه في العام ٢٠٠٥، بقيمة كليه بلغت 2.5 مليار دولار وكان من المفترض استلام المطار في العام ٢٠١٠. لم يتم الانتهاء من المطار و تشغيله الا في منتصف العام ٢٠١٤، حيث تضاعفت الكلفه النهائية الى الضعف!
الامر يتكرر في دولة اخرى، ففي حديثه لأحدى الاذاعات العالميه اعترف احد صناع القرار فيها ان حوالي ١٠٪؜ من الميزانية السنويه تذهب الى جيوب المفسدين (علما ان ميزانية تلك الدوله ربما بلغت ١٠ أضعاف ميزانيتنا، والمقارنه متروكه للقارئ). الغريب ان هذه الدول تحتل مراكز لا بأس بها في مؤشرات الشفافيه، بينما نتربع نحن على رأس مؤشرات الفساد، هذا ما يجعلني أشكك في مصداقية تلك المؤشرات.

٣. انني لا أنكر إطلاقا تفشي الفساد (بكافة أنواعه) في مجتمعنا، لكنني ادعوا الى تناول القضيه ببصيرة و حكمه. لاشك عندي ان الحكومه مسؤولة عن هذا التردي، لكنني احسب انه ليست هناك نية مبيتة للفساد في ذاته، وان ما نشهده هو احد تجليات سوء الادارة و ضعف الرقابه و فقر السياسات.اضافة الى العوامل الثقافيه و المجتمعيه( مثل احسان الظن ، والتحيز القبلي و الحزبي، و الرغبه في التستر على التجاوزات الماليه و حلها عن طريق الأجاويد، و غياب ثقافة الاعتذار و انعدام مسؤلية العنايه الواجبة due diligence responsibility ).

٤. استمعت مطلع هذا الأسبوع الى سمنار يعالج قضايا التنميه في افريقيا، اعدته موسسة شيكاغو للدراسات. ذكر احد المشاركين في السمنار ان انعدام التدريب و غياب الرقابه و ضعف صناع السياسات policy makers و التساهل في المحاسبه و ضعف ما يعرف بال financial policies and procedures
يعزز الممارسات غير الشرعيه، بل ويغري الجميع الى المشاركه في لعبة الفساد. الا ترون ان هذا الوصف يعبر تماما عن الحاله السودانيه؟ يروى ان احد الإداريين السابقين (وهو أستاذ قديم عمل مديرا لاحدى المدارس الثانوية في الامارات، ثم استدعي في بدايات الإنقاذ حيث عين محافظا في احدى محافظات دارفور الكبرى) قبل السفر الى دارفور لاستلام مهام عمله حرص على زيارة احد رموز الإنقاذ، للاستفسار عن طبيعة مهمته و ماهو مطلوب منه تنفيذه و أولويات التنميه و سياسات الضبط المالي و الاداري، لكنه لم يجد اي اجوبة، بل ان المسؤول الحكومي الكبير شعر بعدم الارتياح من كمية الاسئله التي طرحها المحافظ الجديد، فعقب قائلا: “انت فاكر انو في واحد أدانا كورس في إدارة الدوله، نحن عملنا الانقلاب بدون خبره و نجحنا فيه، انت برضك امشي طاقش زينا لامن تنجح”. هذه القصه على بساطتها تعبر عن فلسفة الحكم لدينا، ورغم ان القصه حدثت في بدايات الإنقاذ، الا ان الشواهد تؤكد ان الامر لم يتطور كثيرا بعد مرور اكثر من ربع قرن من حكم الإنقاذ.

٥. قدر لي ان اعمل في إدارة المشتريات و العقود في شركة النيل الكبرى GNPOC في اول عهدها، فكنت شاهدا على سجل الشركه المميز في الشفافيه و الادارة الرشيده. كانت الشركه تدار وفق سياسات ماليه و إداريه صارمه تحدد الصلاحيات الماليه لكافة المدراء limit of authority و تفرض شروطا واضحه و قوانين شفافة لإدارة العطاءات، يرجع الفضل في ذلك للشريك الكندي (تاليسمان). لكن السياسات الصارمه ليست هي وحدها ما أوصل الشركه لذلك المستوى العالي من الشفافيه، بل لعبت الادارة العليا دورا لا يقل اهميه. اذكر جيدا ان الاستاذ عبدالمحمود سليمان (مدير إدارة المشتريات انذاك، و مدير سودانير الحالي) والمهندس محمد خليفه (نائب الرئيس التنفيذي VP و ممثل وزارة الطاقه) كانا يمثلان القدوه الحسنه لجميع موظفي الشركه. لم يكن يبدر منهم اي تدخل في مسار العطاءات، ويشهد الجميع على نزاهتهما و احترامهما للقوانين. اذكر ان ال VP استدعاني لمكتبه ذات يوم بخصوص احدى العقود التي كنت مسؤولا عنها، عند دخولي المكتب حياني بحراره وقدمني لضيوفه في المكتب، والذين كان من بينهم شخصيه قوميه عمل وزيرا للطاقه في عهد مايو. بعد التحيه و المجاملات اخبرني ال VP ان السيد الوزير السابق هو المالك للشركه صاحبة العقد، و ان لديهم بعض المشاكل في توفير خطابات الضمان. شرح السيد الوزير السابق موقفهم و طلب مني تقليل سقف خطاب الضمان. شعرت بالحرج الشديد لأن اللوائح لا تسمح بذلك، فاعتذرت لهم بلغة دبلوماسيه واوضحت لهم صرامة اللوائح التي تحكم عملنا. فما كان من ال VP الا ان شكرني أمامهم على التوضيح و الحرص على تطبيق اللوائح، وللامانة اشهد ان موقف الوزير السابق كان مشرفا، حيث قبل الامر و لم يحاول الضغط.
تركت العمل في GNPOC في العام ٢٠٠٨ و التحقت بعدها بعدد من شركات النفط العالميه في كاليفورنيا و قطر و تيكساس، فلم اجد فرقا يذكر في كفاءت القوانين و الشفافيه بين GNPOC والشركات الاخرى التي عملت فيها.

٦. مع تطور صناعة النفط في البلاد تكونت شركات جديده مثل بترودار و WNPOC غيرهما وهذا امر جيد، لكن المؤسف ان جميع العاملين في قطاع النفط متفقون على ان الشركات الجديده لم تستطع ان تحقق مستويات الكفاءه و الشفافيه التي حققتها GNPOC، بل ان وزارة الطاقه نفسها لم تستفد من الانظمه الإدارية و الكادر الذي تم تأهيله بواسطة الكنديين و الماليزيين. وقد آلمني جدا ما نما الى علمي ان GNPOC نفسها لم تستطع ان تحافظ على مستوى الشفافيه و الادارة الرشيده الذي امتازت به. وهذا يقودنا الى النقطه التي بدأت بها، وهي ان الفساد غالبا ما يكون نتاج عوامل خارجيه تتمثل في المكون الثقافي و الاجتماعي للمجتمع. فكما يتضح في حالة GNPOC ان نفس الكادر البشري الذي قدم عملا رائعا عند توفر الاراده و الاداره و اللوائح، لم يستطع مقاومة بيئة الفساد و الترهل الاداري التي تعتري البلاد. اذا اتفقنا على هذه الفرضيه، يكون من الاجدر بالحكومه البدأ بمعالجة جزور و مسببات الفساد Root cause و ليس مظاهره.

٧. اذا حللنا القوانين الماليه و الإدارية و المحاسبيه التي تحكم المؤسسات الحكوميه و شركات القطاع العام و البنوك، ربما وجدنا فيها ثغرات بينه تشكل حاضنة مثاليه لعمليات الفساد. امام هذا الواقع المأزوم، يكون من الظلم محاكمة الشخص الذي يقع في الفساد و صَب جام الغضب عليه، بينما يسلم الشخص الذي يقف على هرم الموسسه من النقد، رغم انه ساهم بشكل او بآخر (بقصد او عن جهل) في حدوث ذلك الفساد. هذه المسؤوليه هي ما تدفع المدراء و الوزراء وحتى رؤساء الوزارات في العالم الاول الى تقديم استقالاتهم متى ما ظهر خلل ما في مؤسساتهم، وعدم الاكتفاء بالاعتذار الى الشعب (كما هو الحال في دول العالم الثالث). وكم هو مؤلم ان القياده عندنا لا تقف سلبيتها عند عدم الطلب من المسؤولين اللذين تحدث تجاوزات في مؤسساتهم بتقديم استقالاتهم، بل إنها رفضت استقالات بعض المسؤولين من اصحاب الضمير الحي عندما تقدموا بها، وكأن الرساله من وراء ذلك السلوك الغريب هي: “ما ترسوا لينا أدب الشفافيه بتاع الكفار دا، عشان ما تحرجونا مع الجماهير”!

٨. في احدى المدن الامريكيه، قام عمدة المدنيه المنتخب حديثا في انتخابات حره و ديموقراطية، بتغيير اثاث مكتبه مكلفا خزينة المدنيه حوالي عشرون الف دولار. تسرب الخبر الى اجهزة الاعلام والتي اعتبرت الإجراء غير قانوني لان ميزانية المدنيه المجازه بواسطة المجلس البلدي لا تتضمن هكذا بند. رغم ضآلة المبلغ المبدد، و رغم ان المسؤول يتمتع بقاعده جماهيريه معتبره، إلا ان العمده لم يكن له خيار سوى تقديم استقالته و التنحي بهدوء. لقد مارس الاعلام سلطته الاخلاقيه و القانونية في كشف الفساد، لم يتكسب الاعلام من خلال ابتزاز العمده (كما هو الحال في بعض دولنا)، لانه ربما اعتبر نفسه صاحب رساله. لقد وضع الآباء المؤسسين للدوله الامريكيه ما يعرف بنظيره موازنة القوى (checks and balances ) لضمان عدم تركز القوة في يد احد مكونات اللعبه السياسيه، ظنا منهم ان توزيع ألقوه يؤدي الى مراقبة المكونات لبعضها البعض بصوره فعاله وهذا يضمن عدم الاستخدام السيء للسلطه. ومن هنا فإن الاعلام ظل يقوم بأدوار مهمه في كشف الفساد و الضغط على المفسدين. وبعد فضيحة ووتر قيت، اصبح الاعلام الامريكي اكثر رغبة في القيام بدوره الرقابي.
إن تطبيق هذا النموذج في مجتمعاتنا ربما كان له اثر إيجابي في مكافحة الفساد و خلق نوع من الحذر و الرقابه الذاتيه. لكن السؤال هل نمتلك صحافة مهنيه تمتلك القدر الكافي من الرصيد الاخلاقي و الحس المهني؟

٩. إن لدينا فهما مغلوطا لثقافة التدريب، حيث ينظر اليه كفرصة للسفر و التواصل مع العالم الخارجي دون ان ينظر الى الماده التدريبية و الفائده المرجوه منها. ينقسم التدريب في الشركات العالميه الى قسمين: تدريب داخل الشركه و تدريب خارجها. اما التدريب الداخلي فهو امر إلزامي لكل منتسبي الموسسه؛ ابتداء من المدير العام و حتى اصغر العمال. أهمية هذا التدريب في انه يلزم المنتسبين دراسة و فهم الانظمه الداخليه و اللوائح ألمنظمه لعمل الموسسه. فهناك عدد معين من الكورسات التي يلزم الموظف بأخذها بشكل دوري (سنوي او نصف سنوي). تغطي هذه الكورسات مواد مثل:
‏1. Office Safety
‏2. Cyber Security
‏3. Conflicts of Interest
‏4. Financial Limit of Authorities
‏5. Money Laundry and and Anti-Trust
‏6. Auditing and reporting illegal transactions.

لقد اثبتت الدراسات ان الانشغال بدوامة العمل اليومي تجعل الموظف عرضة لنسيان لوائح العمل، لذا فإن اعادة هذه الدورات و إلزام كافة العاملين بها من شأنه رفع مستوى الشفافيه و روح الحوكمه. اذكر ان قسم ال HR أرسل رسالة تحذير للمدير العام في الشركه التي اعمل بها لانه نسي أخذ بعض هذه الكورسات (لانشغاله بمهام عمله)، فما كان منه الا ان أرسل رسالة اعتذار لكافة الموظفين ثم فرغ نفسه لاستكمال كافة الكورسات. هذه الإجراءات الإدرايه بسيطه للغايه و تكاليفها الماليه لاتذكر، لكنها اثبت كفاءة عاليه في ضبط العمل الاداري و مكافحة الفوضى و الفساد، أتمنى ان تبدأ الوزارات السياديه (الماليه، المعادن، بنك السودان، الدفاع، الأمن) بتطبيقها و من ثم تعميمها على كافة الوحدات الحكوميه. كما أتمنى ان تتولى جهه مركزيه التسويق لمثل هذه الأفكار التي من شانها تغيير ثقافة الفوضى و ارساء ثقافة الانضباط و الشفافيه.

١٠. أقام المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير الماضي حلقة نقاش تحت عنوان towards better capitalism، شارك فيها الرؤساء التنفيذيون لعدد من الشركات العالمية. تحدثت الرئيسة التنفيذية لشركة بيبسي عن مسؤولية الإدارة العليا للشركات في متابعة التحولات الكبرى في السوق mega trend ومن ثم تعديل الاستراتيجيات الكبرى لشركاتهم وفقاً لهذا التغيير. ذكرت انها عند استلام مهامها كـ CEO حللت الـ business model للشركة فوجدت ان السلعة الرئيسة للشركة (وهو مشروب البيبسي) أصبح ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره مشروباً غير صحي unhealthily drink . ومع تزايد الاهتمام بالغذاء الصحي و محاربة المنتجات غير الصحية لم يكن لها خيار غير ركوب تلك الموجه. فقررت ادخال منتجات جديده أقرب لمزاج المستهلك (مثل الجيتاريد و الجرانولا بار). غير أن هذا التوجه لم يعجب أحد أعضاء مجلس الإدارة، فقام بمهاجمتها في أحد اجتماعات مجلس الإدارة قائلاً “لقد قمت بتغيير المسار الذي ظلت الشركة تسير فيه منذ تأسيسها، لماذا نهتم بالمنتجات الصحية، إن من مصلحتنا بيع أكبر قدر ممكن من الصودا لأنprofit rate فيها أعلى من غيرها من المنتجات”. قالت: فقمت بتوجيه سؤال بسيط لها، “كم هي كمية الصودا التي تسمح لأبنائك بتناولها يومياً؟” قال: “في حقيقة الأمر، أنا أحاول منع أبنائي من تناول الصودا!” فردت: “إذن فأنت تتفق معي أن عصر الصودا قد ولى، وأن المنتجات الصحية هي التي تسيطر على مزاج المستهلك اليوم، وهذا هو السبب الذي جعلني أغير استراتيجيات الشركة، وإلا فإننا سنخرج من سوق الاغذية تماماً”.
أوردت هده القصة لأبين أن السعي نحو النجاح وزيادة الارباح ربما كان دافعا لمدراء الشركات الكبرى لتعزيز ثقافة الشفافية في مؤسساتهم، أي ان الفساد لم يعد يمثل الطريق المختصر للنجاح و الثراء.

١١. أودّ ان اختم مقالي هذا بدراسة حديثه صدرت في سانفرانسيسكو ركزت على الشركات الناشئه في مجال التكنلوجيا Startups. ركزت الدراسه على شركة Uber، فبعد الفضائح التي منيت بها الشركة مؤخرا استطاع الشركاء ازاحة مؤسس الشركه عن منصبه و جاءوا بإدارة جديده لتحسين صورة الشركه. لكن الدراسة وجدت ان تغيير الرئيس التنفيذي وحده لم يكن كافيا لتغيير ثقافة الشركه، بل ان الامر يتطلب جهدا اكبر في تصميم ثقافة جديده و التبشير بها في كافة ادارات الشركه.
نفس الخلاصه قد تنطبق على الحاله السودانيه، اعلان الحرب على “القطط السمان” هو امر ضروري، لكنه ليس كافيا لمحاربة الفساد. ان الامر يتطلب عملا مؤسسيا لتغيير ثقافة الفساد السائدة( او قل روح الفوضى و عدم الالتزام بالوائح) و استبدالها بثقافة الانضباط و الشفافيه. ان القدوه الحسنه هي اللبنة الاولى و الضامن الأساسي لنجاح هذه المبادرات، لذلك يجب ان تبدأ الرئاسه و مجلس الوزراء و البرلمان بتقديم نموذج جديد لجماهير الشعب، و عندها فقط يمكن ان نرى التغيير.

التعليقات مغلقة.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com