مرتضى الغالي:  عشوائيات وعشوائيون

399

قبل أيام شاهدت على شاشة التلفزيون صورة لم تفارق ذهني طيلة الوقت، أطفال صغار في إحدى مناطق العاصمة الطرفية، عادوا من مدارسهم وحقائبهم على أكتافهم فوجدوا بيوتهم قد جرى تدميرها بالكامل عن طريق بلدوزرات الدولة.. فطفرت من عيونهم نظرات غريبة، فيها الكثير من الدهشة والألم والغبن والحيرة والضياع.

كل ما قاله التلفزيون وبرامجه ليس بعيداً من الإمكان، فمن الممكن أن يكون تحطيم البيوت بما فيها من (العفش) والمتاع القليل من باب محاربة العشوائيات، وقد يكون أصحاب هذه المساكن ليست لديهم (شهادات بحث) أو أن تكون مملوكة لآخرين وكل هذا ممكن ومفهوم، ولكن الذي يستقر في الذهن هو أين يذهب هؤلاء الناس، ومن أين ينطلق أطفالهم صباح الغد إلى مدارسهم.

طبعاً هذه مسألة قديمة ومحزنة ومتكررة، ودائماً يتم التعامل فيها بذات الطريقة: بلدوزرات تهدم البيوت وتكسح الأغراض والممتلكات القليلة لساكنيها وتستنزف أخر ما لديهم من رصيد جمعوه بـ (تقطير الدم)، وضرب الطوب الأخضر، وتجميع العروق، وبقايا ألواح الزنك الصدئة لتشييد بعض الجدران النحيلة والغرف النحيفة.

ولكن ما هذه العلة الحقيقية التي تجعل هذه المسألة غير قابلة للحل، والتي تعبر عن أسوأ ما في القانون من (عنجهية). فكان يمكن أن تكون الإزالة أكثر رحمة، ولا تقل لي أن الناس سيرفضون حمل متاعهم وإفراغ البيوت إذا علموا أن مصيرها الهدم وأن هناك أمكنة بديلة.

ولكن كما أن بعض الناس يستلذون بتعذيب الناس فإن بيروقراطية الدولة كثيراً ما تستعذب التنكيد على البشر باسم القانون. ولا تقل لي كذلك أن بيروقراطية الدولة لا تعرف المجاملة، فلو كانت هذه المساكن من طوابق بالأسمنت المسلح والسيراميك لما تجرأت البلدوزرات على فعل ما فعلت ببيوت المساكين في أطراف المدينة.

الغريب أن التلفزيون بث في ذات الوقت حالتين لإزالة مساكن مواطنين في أطراف العاصمة (وبعضهم يقول إنهم ظلوا في المنطقة لأكثر من عشرة أعوام وإن لبعضهم شهادات بيع وتوثيق) والأغرب أن مقدم البرنامج قال في تعليقه: (يا جماعة، من الأفضل أن نبعد العواطف عن هذه القضية ونتعامل بالقانون!

بمعنى أنه يؤيد الإزالة ولكنه لم يتأمل مصير هؤلاء المواطنين الذين أزيلت بيوتهم وفقدوا كل ما يملكون تحت الأنقاض، ولم يفكر في مآلهم، وإلى أين سيذهب أطفالهم الذين عادوا من المدرسة ووجدوا أهلهم في (الصقيعة). كما لا نعتقد أن التلفزيون سيعود في اليوم التالي ليتابع حالة هؤلاء المساكين (بعد الجلاء) أو ليستفسر المسؤولين عن مصير هؤلاء الناس حتى لو كانوا بنوا مساكنهم (كيري) في أرض الأخرين.

كيف نبعد العاطفة يا سيدي المعجب بالقانون؟ فهل يضيق السودان الواسع عن أراضٍ تسع أهله جميعاً؟ أم أن السكنى في العاصمة لا تتم إلا بـ (المعرفة)؟ كيف ننزع الرحمة والعاطفة من أي مسالة؟ ومن قال إن العاطفة تجاه المواطنين (حاجة بطالة)؟ وهل يتم تطبيق القانون بهذه الحرفية (البلدوزرية) على جميع الناس، وفي أي مخالفات!.. يا راجل.

 

التعليقات مغلقة.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com