الخرطوم وواشنطن.. مالآت الحوار الحذر والمشروط

646

الخرطوم: باج نيوز

يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوداني، الدرديري محمد أحمد، إلى واشنطن، من زوايا مُختلفة، بعضها شائك ومُعقد، خاصة المُتعلقة بالالتزام بشروط الإدارة الأمريكية، مقابل تطبيع العلاقات بين البلدين، وشطب السودان من قائمة الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة راعية للإرهاب.

حسنًا، إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلنت أمس الأربعاء، بالتزامن مع زيارة الدرديري، استعدادها لشطب السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب؛ شريطة أن تقوم السُلطات السودانية بمزيد من الإصلاحات.

كما أعلنت الخرطوم، اتفاقها مع واشنطن على إطلاق المرحلة الثانية لاستراتيجية التعاون بين البلدين، ورحبَّت بخطوة الإدارة الأمريكية، لشطب السودان من قائمة الإرهاب، وتعزيز العلاقات بين البلدين وصولًا إلى الأهداف المشتركة.

استعداد واشنطن لبدء المرحلة الثانية من الحوار، لم يجئ عفو الخاطر، وإنما انطوى على حزمة شروط، شملت توسيع التعاون في مكافحة الإرهاب، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، وممارساتها، بما في ذلك حرية الدين والصحافة، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، ووقف الأعمال العدائية الداخلية، وخلق بيئة أكثر ملاءمة للتقدم في عملية السلام في السودان، واتخاذ خطوات لمعالجة الأعمال الإرهابية البارزة، والالتزام بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المتعلقة بكوريا الشمالية.

ووفق مراقبون، فإن إعلان الإدارة الأمريكية على رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، خلال جولة الحوار الحالية، ليست بالمسألة البسيطة، وأن الخطوة غير متوقعة في المنظور القريب، باعتبار أن واشنطن عادة ما تدفع بشروط جديدة، تماشيًا مع المتغيرات على أرض الواقع.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، عبد الله رزق، أن واشنطن تضع السودان في مرتبة واحدة مع إيران وكوريا الشمالية، من حيث تصنيفهما كبلدان راعية للإرهاب، بجانب سوريا، وأن موقف واشنطن تجاه السودان، ينطلق من رؤية  عامة لمسألة الإرهاب العالمي، وتمارس بموجبه ضغوطًا متصاعدة على هذه البلدان لتقديم تنازلات متعددة ومتنوعة.

وقال رزق، لـ(باج نيوز)، إن الشروط التي طرحتها واشنطن لاحقًا فيما يتعلق بتطبيع العلاقة مع السودان وشطبه من القائمة الأمريكية للبلدان الراعية للإرهاب، عامة وفضفاضة.

وأضاف، “ربما كان لواشنطن مطلوبات محددة، تدركها الخرطوم، وتتحفظ عليها أو تماطل في تنفيذها”، وتابع، “قد تشهد فترة ترامب المقبلة، مزيدًا من الضغوط على السودان، بموازاة تلك التي تمارسها واشنطن مع إيران، وكوريا الشمالية”.

ورفعت الإدارة الأمريكية في 6 أكتوبر من العام الماضي، عقوبات اقتصادية وحظر تجاري على السودان، فرضته منذ 1997، نتيجة لالتزامه بخطة المسارات الخمس.

وتضمنت المسارات الخمس؛ تعاون السودان مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، والعمل على تحقيق السلام بجنوب السودان، والشأن الإنساني وإيصال المساعدات للمتضررين في مناطق النزاعات.

لكن واشنطن لم ترفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المدرج عليها منذ عام 1993، لاستضافته الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن.

اللافت للأنظار في علاقة الخرطوم وواشنطن، أن ثقل المسؤولين الأمريكيين الذين يزورون الخرطوم لا يتعدى السفراء، أو مساعدي وزير الخارجية، ونواب مديري الدوائر على أحسن تقدير، وبينهم مبعوثون رئاسيون، لكن إدارة دونالد ترامب، قررت فجأة أن ترسل نائب وزير الخارجية، جون سوليفان إلى الخرطوم في نوفمبر من العام الماضي، لرفع مستوى الحوار بين البلدين.

جون سوليفان، أمضى – وقتها- يومين في الخرطوم، التقى خلالهما مسؤولين ومنظمات مجتمع المدني وشرائح مجتمعية أخرى، وركز بصورة أساسية على ملفات رئيسة، أبرزها، الحريات الدينية، وحقوق الإنسان، وقطع السودان لعلاقاته مع كوريا الشمالية، التي تناصب واشنطن وحلفائها العداء.

وقبل أن يغادر الخرطوم، حصل سوليفان، على تعهدات سودانية بقطع العلاقات مع كوريا الشمالية، وهو أعلنه وزير الخارجية السوداني، السابق إبراهيم غندور، بأن الخرطوم لا تقيم تعاونًا تجاريًا ولا عسكريًا مع بيونغ يانغ، وملتزمة بالكامل بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بشأن كوريا الشمالية.

بالنسبة إلى الصحفي المُهتم بالعلاقات السودانية- الأمريكية، خالد عبد العزيز، فإن المرحلة الثانية من الحوار بين الخرطوم وواشنطن وصولًا إلى مرحلة التطبيع، مسألة شائكة ومعقدة لارتباطها بقضايا سياسية.

ورأى عبد العزيز، في حديثه لـ(باج نيوز)، أن الإدارة الأمريكية هدفها الرئيسي الضغط على السودان لإحداث تغيير في بنية تركيبة الحكومة، وتغيير سياساتها، وأن واشنطن تتهم من تقول عليهم عناصر داخل منظومة الحكومة بتوفير الغطاء للجماعات المتطرفة، وتريد أن تضمن أن تلك العناصر الحكومية غير موجودة.

وأوضح أن واشنطن ترغب في أن يعمل السودان ضمن سياساتها وأجندتها في المنطقة والإقليم، وأن تلتزم الحكومة في الخرطوم أيضًا، بإيقاف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية، وتحسين ملف حوق الإنسان.

 وتطرق عبد العزيز، إلى مشكلة قانونية أخرى تواجه حكومة الخرطوم تتعلق بتعويضات ضحايا تفجيري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام (1998)، والمدمرة الأمريكية يو إس إس كول (في اليمن عام 2000)، البالغة 7 مليارات دولار، والتي أدان القضاء الأمريكي حكومة السودان بالضلوع فيها، وهو ما نفته حكومة السودان في أكثر من مناسبة.

وتدرج الولايات المتحدة السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، منذ عام 1993، لاستضافته زعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، وتفرض عقوبات اقتصادية على الخرطوم منذ 1997.

ورغم إبعاد السودان لـ”بن لادن” إلى أفغانستان، تحت ضغوط أمريكية، إلا أن واشنطن شدَّدت العقوبات على الخرطوم، بين عامي 2005 و2006، بسبب الحرب الأهلية، التي اندلعت في دارفور، عام 2003.

ورفع الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما (2009 -2017)، جزئيًا العقوبات التجارية والاقتصادية المفروضة على الخرطوم منذ عامي 1997 و2006، بينما أبقى على تلك المرتبطة بوجود السودان على قائمة الإرهاب.

وتتهم الخرطوم واشنطن باتخاذ حرب دارفور ذريعة للتنصل من وعدها لها برفع العقوبات، بعدما قبلت بالتوقيع، عام 2005، على اتفاق سلام، بوساطة أمريكية/ إفريقية، أنهى الحرب الأهلية في جنوب السودان، ومهد لانفصال الجنوب عن السودان، بموجب استفتاء شعبي، عام 2011.

وبدأ تعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، وبرره مدير المخابرات، صلاح قوش، بالحيلولة دون تلقي السودان ضربة على غرار الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق عامي 2001 و2003 على التوالي.

التعليقات مغلقة.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com